منتدى السوافة
مرحبا بك عزيزي الزائر. نتمنى تكوين حسابك الخاص والتسجيل معنا في المنتدى إن لم يكن لديك حساب بعد
والمساهمه معنا في افادتك والاستفاده منك فهذا المنتدى هو صدقه جاريه اتمنى ان تشارك فيها وتجعله ايضا صدقه جاريه لك بمواضيعك وافادتك لنا


منتدى السوافة

منتدى السوافة أصالة وصال تواصل .........
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
منتدى
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» واحد يسموه محجوب حل حانوت
اليوم في 17:18 من طرف شمس الربيع

» ان حياتك في عد تنازلي
2014-04-21, 23:31 من طرف سكون الليل

» حـــــــذارــــ أختاه الغاليــــة ــــي
2014-04-21, 22:03 من طرف سكون الليل

» خروج البنات مع الشباب ..( جُــرأَة )
2014-04-21, 21:53 من طرف سكون الليل

» غض البصر مقطع جميـل ؛ للشيخ نبيل العوضي ؛
2014-04-21, 21:02 من طرف سكون الليل

»  أغاني أغاني
2014-04-21, 21:00 من طرف سكون الليل

» ازياء رووووووووووعة
2014-04-20, 18:53 من طرف رانية

» ][ ღ♥♥ღ عندما يكون للدمع كلمة ღ♥♥ღ ][
2014-04-20, 18:39 من طرف oussama5

» سجل حضورك اليومي بنطق الشهادتين
2014-04-20, 18:29 من طرف oussama5

» اطفي شمعه..واشعل شمعه..
2014-04-19, 18:22 من طرف رانية

» خدع بسيطة تفيدك وتزيد من جمالك
2014-04-19, 18:14 من طرف رانية

» القائمة المرتقبة للفاشلين
2014-04-17, 11:20 من طرف صبرين28

» حلم الاسنان؟؟؟؟؟
2014-04-17, 11:09 من طرف صبرين28

» عمل بالكريات السحرية
2014-04-16, 18:04 من طرف رانية

» مالك بن نبي
2014-04-15, 17:40 من طرف رانية

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
رائد السوفي
 
صهيب حساني
 
السوفية
 
كثيرة الصمت
 
رانية
 
mayar39
 
عماد الدين
 
اكرم
 
اسيرة الشوق
 
طبيبة المستقبل
 
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 23 عُضو متصل حالياً :: 1 أعضاء, 0 عُضو مُختفي و 22 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

شمس الربيع

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 152 بتاريخ 2010-03-04, 10:17
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 9397 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو aborawan فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 173325 مساهمة في هذا المنتدى في 20320 موضوع
ازرار التصفُّح
تصويت
ما هو تقيمك للمنتدى الى حد الان ؟
1-ممتاز؟؟
50%
 50% [ 274 ]
2-جيد جدا؟؟
15%
 15% [ 82 ]
3-جيد؟؟
23%
 23% [ 123 ]
4-ضعيف ؟؟
12%
 12% [ 65 ]
مجموع عدد الأصوات : 544
ساعة توقيت
الصحف الجزائرية






 | 
 

 قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
وردة
سوفي فضي


الجنس: انثى
عدد الرسائل: 1215
المزاج: ممتاز
تاريخ التسجيل: 08/04/2009

مُساهمةموضوع: قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن   2010-06-08, 08:25

بسم الله الرحمان الرحيم
اما بعد اليكم اخوتي و اخواتي هذا الطر لظاهرة قواعد تشكيل النغم في موسيقى القران الكريم و ارجو الاستفادة للجميع
يرى المفكرون المؤمنون أمثال روني غينون أن الكتب السماوية إنما نزلت بلغة إيقاعية موزونة. ولكن الوزن والإيقاع فيها يختلفان عما هو معروف في الشعر الدنيوي. ولقد تميزت اللغة العربية بنزول القرآن الكريم فيها وبحفظ العرب والمسلمين لنصه وروايتهم له كما تلقاها الرسول(. وهذا مقال حاول مؤلفه أن يدرس فيه ملامح موسيقى البيان في القرآن الكريم. وفي المقال يتبدّى الجهد والدراية والدراسة الجادة.‏

(ع. ك. ي.)‏

تستعير الفنون الجميلة قدرة وسائط بعضها في التعبير والتأثير، ويظهر فن الأدب بين غيره من الفنون وهو أقدرها على استعمال أداته للتصوير والتنغيم معاً، فبالكلمة نرسم ونظلل وننشر الأفياء، وبالكلمة نوقع ونغني ونعزف لحن الموسيقى.‏

والقرآن الكريم بوصفه معجزة التعبير الأدبي في اللغة العربية زيادة على أنه وحي وتنزيل يستعمل الكلمة في قدرتيها هاتين حتى يستنفدهما، ولا ضير عليه في ذلك ما دام يهدف إلى أن يبلغ أعمق مواطن التأثير في النفس البشرية، هذه النفس التي تؤثر فيها الصورة المموسقة أكثر مما تؤثر الكلمة العادية المجردة، وترتاح إلى الإيقاع وتأنس به وتنفعل، وتتناغم معه وتتجاوب.‏

ويتوسل الكتاب لتحقيق هدفه في التأثير عن طريق الإيقاع بشتى الطرق، ويلجأ إلى مختلف الأدوات، وإذا كنا نميز بين الظواهر الأسلوبية التي تساعد على الأداء بوصفها ضروباً من الموسيقى وغير الموسيقى وبين الظواهر الإيقاعية بوصفها قواعد التشكل النغمي فإنه يحسن أن نؤكد هنا أن الأولى يشترك في تعليلها علم المعاني وعلم النغم أما الثانية فلا تعليل لبعضها سوى الموسيقى، شريطة ألا نفهم من اللفظ دلالته الشكلية – الصنعة البديعية – كما فهم القدماء وعدوا ذلك عيباً أو نقصاً في البلاغة بل كما نفهمه نحن بدلالته الفنية التي تشمل الشكل والمضمون، المحتوى وطريقة الأداء، ونقول بعضها حتى نخرج بعضها الآخر مثل التنوع والتقابل اللذين هما سبيلان من سبل التعبير في مختلف أنواع الفنون.‏

وقد آثرت أن استعمل جملة من المصطلحات الموسيقية ولم أجد حرجاً في ذلك فالمشكلة لا تكمن في المصطلح بقدر ما تكمن في قدرته على التعليل والتفسير، ورأيتني أنظر وألوب حتى عثرت على الكلمة المناسبة التي اجتهدت في أن تكون أكثر دلالة من سواها لتحمل عنوان الفقرة، عنوان الظاهرة أو القاعدة الموسيقية وتسوغها وتحللها أيضاً.‏

أهم قواعد التشكل في موسيقى القرآن تسع هي: التنوع، التقابل، الترجيع، التوقع، الإضافة، الترنم، السكت، القفلة، الفاصلة، وسأمس كل واحدة منها مساً رفيقاً.‏

التنوع:‏

لعل أهم ما يميز الإيقاع النثري من الإيقاع الشعري أن الأول أكثر تنويعاً من الثاني، فمهما حاول الشعر أن يعفي نظمه من التفاعيل حتى ينطلق وراء الإيقاع يجد نفسه مصفداً بالوزن، أما النثر فليس لديه وزن يقيده ولا أطوال أو أقدار يلتزم بها، لديه حرية كاملة في تخير الإيقاع الذي يلائم التعبير، وعندما يفك ذاته من ربقة القيد، أو يرخي هذا قبضته قليلاً عنه تتدفق نغمات الإيقاع رخية سلسلة ذات ألوان لا حصر لها.‏

ربما كان في إيقاع القرآن ثلاث قواعد أولاها توحد الإيقاع مع اختلاف المعنى، وأخراها تنوعه بتنوعه، وثالثتها اتساقه مع الجو العام وتعدده بتعدده، والفرق بين القاعدتين الأخيرتين هو الفرق بين المعنى والجو العام، فقد يكون الجو واحداً والمعنى متعدداً وقد يكون المعنى واحداً والجو متعدداً فإذا تم التوافق والانسجام بين النغمة وتعدد المعاني في السورة الواحدة فليس من الضروري أن يطَّرد بين النغمة والمعنى حيثما يرد، وهذا يعني:‏

1-أن يتسق الإيقاع مع المعنى في آية أو جملة من الآيات.‏

2-أو يأتي واحداً في سورة متعددة المعاني.‏

3-أو يتعدد بتعدد المعاني في السورة الواحدة.‏

4-أن يتلون رغم توحد المعنى في غير سورة.‏

5-أن يتغير بتغير الأجواء باطراد لا ينسى.‏

وينطلق الإيقاع بعد أن أسس قواعده يتلون ويتعدد ويتنوع بتلون وتعدد المعاني والجواء وما أكثرها، وفيما يلي نماذج تطبيقية:‏

1-في سورة "هود" يقص الله علينا قصة نوح مع ابنه، قصة الطوفان فيقول: (وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين(.‏

إن التشكل الموسيقي للعبارة يتلاءم التلاؤم كله مع المعنى، فالمشهد عاصف، وموج عات كالجبال، وطوفان يغرق كل شيء، وناس بين الموت والحياة، وهتاف الأب بابنه أن يأتي، ونهاية بالغرق، ويجيء الإيقاع يحمل هذا المعنى فهو يتموج موجات طويلة في البداية، يمتد في عمق وارتفاع، ويشارك في رسم الهول العريض، والأسى الفاجع، وتساعد المدات المتوالية للألفاظ في تكوين الإيقاع عمقاً وسعة وبروزاً حتى يتسق مع المعنى والمشهد العجيب، وينحسر في النهاية سريعاً كما انحسر الموج عن الغريق.‏

2-يقول تعالى: (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف(. المعنى هنا مختلف وكذلك الجو، كلاهما يشعر بالمودة والحنان والعطف، ويتشكل الإيقاع منسجماً ومتسقاً مع ذلك، ومع طول الرحلتين زماناً بين الشتاء والصيف، ومكاناً من الجنوب إلى الشمال فيجيء هادئاً رخياً منبسطاً ممتداً كله أمان وسلام وطمأنينة للنفس البشرية ولنفوس قريش في رحلتيها الآمنتين الرابحتين اللتين صارتا لهما عادة وألفا.‏

3-ويقول: (ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم(.‏

تصور السورة الحياة وكأنها ومضة خاطفة في شريط طويل، برهة عابرة، هكذا.. ألهاكم التكاثر.. في الدنيا حتى دفنتم في المقابر، وعبر عن الموت بالزيارة لأن الإقامة فيها هي الأخرى مهما امتدت – قصيرة، وتنتهي ومضة الحياة وتنطوي صفحتها الصغيرة كما تنتهي وتنطوي ومضة الموت وصفحتها، ويمتد بعد ذلك الزمان وتمتد الأثقال..‏

ويقوم الإيقاع بهذا الإيحاء يحمل المعنى ويتسق معه فهو يبدأ سريعاً صاعداً ذاهباً في الفضاء إلى بعيد، وينتهي رصيناً ذاهباً إلى القرار العميق، إيقاع يقرع قرعات متوالية، يقرع القلوب ثلاث مرات في كل سلم صعوداً وهبوطاً زاجراً في الأولى مؤكداً في الثانية، إيقاع أشبه ما يكون بصوت النذير يقوم على شرف عال ماداً صوته، مدوياً بنبرته، يصيح بنوم غافلين سادرين أشرفوا على الهاوية عيونهم مغمضة وحسهم مسحور.‏

4-في سورة النجم وآياتها اثنتان وستون يتوحد الوزن –على غير نظام الشعر- مع الإيقاع والفواصل من بداية السورة حتى قبيل نهايتها مع أنها تحمل موضوعات عدة، وتطرق أفكاراً مختلفة مثل قصة العروج إلى السماء، وملامح الجاهلية، وعبادة الأوثان، ومشكلة التوحيد والإيمان بالملائكة وحكاية الخلق.. إلخ، صحيح أننا نلحظ فروقاً دقيقة – رغم الفاصلة الواحدة – تتلامح في سرعة الإيقاع وبطئه إلا أن نوع الإيقاع لا يتغير وإن تغيرت شدته أو درجته، وقد تراوح طول الآية بين ثلاث كلمات في قوله (والنجم إذا هوى..( إلى أكثر من عشرين في قوله: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى(، بيد أن أسلوب الأداء الموسيقي واحد في السورة جميعاً، فهو متوسط الزمن، مسترسل الروي حتى كأنه حديث يتلى، أو قصة تحكى.‏

5-إذا كان الإيقاع قد توحد في السورة السابقة رغم طولها النسبي وتعدد معانيها فإنه يتلون ويتغير في سورة أخرى أقصر منها كالنبأ، ونكتفي منها بفقرتين.‏

تقول البداية: (عم يتساءلون عن النبأ العظيم، الذي هم فيه مختلفون، كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون..( وتقول النهاية: (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً، إنا أنذرناكم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً(.‏

الفرق بين الإيقاعين لا يحتاج إلى مصطلحات فهو في الأولى دقات زاجرة، وطرقات عنيفة وصيحات، وهذا ينسجم مع جو متحرك شديد الارتجال جو النبأ العظيم، وهو في الثانية وإن رخي هادئ ينسجم مع جو التأمل، جو المستقبل الذي يتطلب تملياً وتفكيراً.‏

6-تحمل سور التكوير والانفطار والانشقاق على الأقل في بداياتها معاني واحدة فهي تتحدث عن مشاهد الانقلاب الكونية يوم القيامة، وتقدم هذه المعاني أو المشاهد بثلاث إيقاعات مختلفة رغم توحد حرف الروي على الشكل التالي:‏

1-(إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت، وإذا النفوس زوجت، وإذا المؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت، وإذا الصحف نشرت، وإذا السماء كشطت، وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت، علمت نفس ما أحضرت(.‏

2-(إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ما قدمت وأخَّرتْ(.‏

3-(إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت، وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت(.‏

الإيقاع الأول عاصف سريع متلاحق يختصر المسافات، ويطوي الأمكنة ويلفها، إنه حركة جائحة تنطلق من عقالها فتقلب كل شيء وتذهب بكل مألوف، وتهز النفس البشرية هزاً عنيفاً، والثاني متوسط الحركة لا يملك عنف العاصفة ولا هدأة النسيم، إنه بين بين، هو أقرب إلى الانفطار بلفظة الواني منه إلى التكوير بجرسه الشديد الحاد. والثالث هادئ رخي عميق ينساب في دعة وخفوت واستسلام.‏

وقد تلونت الإيقاعات الثلاثة بلون الإطار أو الجو العام لكل سورة، فجو سورة التكوير التقريع الشديد والتهديد، ومما يناسب هذا الجو أن يكون الإيقاع عنيفاً، عاصفة مدمرة جارفة، وجو سورة الانفطار العتاب واللوم المبطن بالوعيد ويتفق مع هذا الجو أن يكون الإيقاع أهدأ وأعمق وأرفق، وجو سورة الانشقاق الخضوع والخضوع لله، ويتناغم مع هذا الجو أن يكون الإيقاع هو الآخر خاشعاً يسير في طواعية ويسر وإشفاق.‏

7-يتغير الإيقاع بتغير الجواء ويتنوع بتنوعها، وهذه قاعدة مطردة نستطيع أن نتبينها حين نقف عند موسيقى الدعاء على اختلاف نماذجه ومواقفه:‏

أ-من نماذج الدعاء دعاء زكريا وهو قائم يصلي في المحراب لا يني ينادي ربه نداء خفياً، ويكرر اسم ربه بكرة وعشياً ويقول: (رب إني وهن العظمي مني، واشتعل الرأس شيباً، ولم أكن بدعائك رب شقياً، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً، يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضياً(، وهو نداء عذب سلسل الإيقاع كأنه غناء يصّاعد في السماء ألحاناً متناغمة روحانية رخية تعمقها الفواصل بياءاتها المشددة وتنوينها المحول عن الوقف ألفاً لينة أشبه بألف الإطلاق التي ينفرج معها الفم ويذهب الصوت بعيداً في أجواء الفضاء.‏

ب-يقابل هذا اللون من الدعاء بما فيه من نداوة ولين هتاف نوح الأبح وهو يدعو قومه ليلاً ونهاراً إلى الحق الأبلج المبين، ويصر على نصحهم سراً وعلانية وهم يلجون في كفرهم وعنادهم، ويفرون من الهدى ولا يزدادون إلا ضلالاً، فما على نوح – وقد آيس منهم – إلا أن يتملكه الغيظ ويمتلئ فوه بكلمات الدعاء الثائرة الغضبى تنطلق في الوجوه مدوية مجلجلة صاخبة، بموسيقاها الرهيبة وإيقاعها العنيف وصرخاتها التي لا تبقي ولا تذر: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً(.‏

ج-وثمة أسلوب موسيقي ثالث في أداء الدعاء يباين هذين الأسلوبين ينطلق هذه المرة من الحناجر الكظيمة المكبوتة، حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير، ولنا أن نتخيل هؤلاء المعذبين تلفح وجوههم النار فيتحسرون ويحاولون التنفيس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المتهدجة كأنهم يتخففون بها من أثقال تنقض ظهورهم، ويفرغون عن طريقها ما يعانون من عذاب أليم: (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً(.‏

هذه وغيرها أنواع من الإيقاع متعددة ومتغيرة، لا يضاهي تنوعها سوى وفرتها.‏

التقابل: ليست الموسيقى مقاماً للصوت فحسب وإنما هي حالة أو كيفية تتبدى بالحركة والتوقف، بالجيئة والذهاب، بالتوافق والتنافر، بالقوة والضعف.. وهذه الصفات تضمها كلمة التقابل، والتقابل طريقة من طرق الأداء في الموسيقى وفي الرسم وفي الأدب أيضاً، والقرآن يكثر من استعمالها في تنسيق إيقاعاته التي ينقلها بالألفاظ على نحو دقيق، فهناك تقابل بين الخير والشر، بين الموت والحياة، بين النعيم والجحيم، بين الماضي والمستقبل، بين المادة والروح، بين الكفر والإيمان، بين السواد والبياض، بين السماء والأرض، بين الخفة والثقل، بين البسط والقبض، بين البث والجمع، بين الانفجار والانتشار.. مقابلات عديدة وكثيرة لا يمكن حصرها ولا عدها حسبنا أن نعرض لبعضها:‏

1-تبدأ سورة القيامة بآيتين أولاهما إيقاع عن القيامة، وأخراهما إيقاع من النفس: (لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة(، ويمتد الحديث بهذا التقابل متعلقاً مرة بالقيامة ومرة بالنفس من المطلع إلى الختام، وسواء تناولت الآيات الأولى، أو مشهد البعث وحقيقة النشأة الآخرة، مشهد المؤمنين بوجوههم الناضرة، أو مشهد الكافرين بوجوههم الباسرة.. فهي لا تخرج عن هذه القسمة التي تنتهي إلى الزوجين المتقابلين (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى(.‏

وهذا التقابل مقصود إليه قصداً لأنه يظهر حقائق الكون والحياة والإنسان، حقائق الإيمان والكفر، حقائق الجزاء والعمل، وليس أبلغ من عرض الحالات المتقابلة التي تفعل فعلها، وتخلف تأثيرها الكبير في النفس، هو الوجه الآخر للتعبير وكلاهما يسعى إليه القرآن.‏

2-في سورة الليل يتم التقابل على النحو التالي: (والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى، فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردى، إن علينا للهدى، وإن لنا للآخرة والأولى، فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى(.‏

هنا إيقاعان متقابلان وصورتان: الليل والنهار، الأول يغشى والثاني يتجلى، فيها الذكر والأنثى المتقابلان في النوع وفي الخلقة، فيها الذي أعطى واتقى ويسر لليسرى، وفيها الذي بخل واستغنى ويسر للعسرى، والله يقسم بهذا وذاك من الحقائق المتقابلة في الكون وفي الناس على أن سعي البشر مختلف، وجزاءهم مختلف، فليس الخير كالشر، ولا الهدى كالضلال، ولا الصلاح كالفساد، للبشرية منهجان في كل زمان ومكان أحدهما يفضي إلى الجنة، والآخر ينتهي إلى النار.‏

ومن بديع التقابل في السورة إن الآية الحادية عشرة (وما يغني عنه ماله إذا تردى( لا تقابلها مباشرة في النسق آية تخص الذي أعطى واتقى، ولكن القرآن العجيب لا ينسى التوازن فسرعان ما يضيف إلى وصف المؤمن آية أو آيتين في نهاية السورة (وما لأحد عنده من نعمة تجزى( حتى تنسجم مع تلك الآية، ويكون كمُّ التقابل واحداً أو يكاد.‏

3-في القارعة نوع آخر من التقابل، (القارعة ما القارعة، وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش، فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ما هي، نار حامية(.‏

إنه تقابل بين القوة والضعف، بين الثقل والخفة، تقابل أولاً بين مشهدين مشهد عنيف هائل هو مشهد القيامة بكل زلزلتها وقرعها، ومشهد الناس والجبال وقد تحولت كتلهم وأحجامهم إلى خفة مستطارة في حيرة الفراش الذي يتهافت على الهلاك وهو لا يملك لنفسه وجهة تارة، وفي حالة الصوف المنفوش تتقاذفه الرياح وتعبث به الأنسام من كل جانب تارة أخرى.‏

ويعقب المشهدين مشهد ثالث فيه أيضاً تقابل، ظله من ظلمها وجرسه من جرسهما، مشهد الحساب يرجح فيه ميزان ويشيل آخر، (فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن خفت موازينه فأمه هاوية(، أم رأسه أو أمه الحقيقية النار حيث الملاذ والهلاك.‏

الموسيقى المصاحبة لهذه التقابلات الإيقاعية مختلفة تبعاً لإطار السورة فهي في الأولى سريعة سرعة البرق والخسف والجمع وهي في الثانية متوسطة لا عنيفة ولا قاسية لأن الجو للسرد والبيان أكثر مما هو للهو والتحذير، وهي في الثالثة قوية قارعة لاطمة تقرع القلوب وتلطم النفوس.‏

*الترجيع:‏

درس الترجيع تحت اسم التكرار، وميز فيه بين تكرار القصص والأمثال والحكم التي تعرض بطرائق شتى ومعناها واحد، وقصد بها إلى الزجر والوعيد وبسط الموعظة وتثبيت الحجة، وبين تكرار الحرف واللفظ والجملة لترديد منة أو تحقيق نعمة، أو التذكير بالمنعم. وفي نطاق التكرار الثاني رأى الدارسون أن القرآن يلجأ إليه للتأكيد أو لزيادة التأكيد، وبصورة عامة لأمر يتعلق بالمعنى، وجعلوه ضروباً وأنواعاً.‏

يهمنا من التكرار نمطان تكرار اللفظ وتكرار الجملة أو العبارة، وسنطلق على هذا النوع من التكرار المصطلح الموسيقي الترجيع الذي تدرس في ضوئه التشكيلات الإيقاعية لفن العمارة ولفن الموسيقى على السواء، وسنحاول من جانبنا أن نستعير اللفظ لندرس على أساسه بعض أنواع الإيقاع في القرآن.‏

يرجِّع للقرآن اللفظ بأسلوبين مفرداً أو مركباً الأول نجده في سورة الناس التي يذكر الصوت في نهاية آياتها الست خمس مرات: (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس( إن الكتابة النثرية أو إيقاعها ينوءان في الأحوال العادية بمثل هذا الترجيع لأن الأذن لا تستريح إليه، ولا النفس تتقبله، بيد أنه جاء في السورة فريداً لا يمل، عذباً لا يمج، يكاد الإحساس يعثر فيه كل مرة على معنى بما يضيف إليه الصوت من معنى. لنجرب أن نقرأ السورة بصورة متوالية مرات عدة فسنشعر بأن جواً صائتاً قد تكوَّن، عالماً من الوسوسة قد أحدثه الصوت المرجَّع يناسب السورة كل المناسبة، عالماً يملأ علينا حسنا ومشاعرنا ويسري في نفوسنا، ويستمر فترة في خيالنا، وهذا أو بعض هذا ما قصد إليه التعبير من الترجيع.‏

الأسلوب الآخر لترجيع اللفظ هو الأسلوب المركب، يذكر القرآن أولاً اللفظ مجرداً، ثم يرجعه مضيفاً إليه حرفاً أو حرفين، ثم يعيده ثالثة وقد زاد عليه كلمة أو كلمتين، ومثاله قوله تعالى: (الحاقة، ما الحاقة، وما أدراك ما الحاقة(، (القارعة، ما القارعة، وما أدراك ما القارعة(.‏

أول ما نشعر به أو نحسه من قراءة العبارتين هو الصوت قبل المعنى الغامض، يأتي الصوت قوياً مزلزلاً مفزعاً هائلاً، إنه قذيفة تلقى دفعة واحدة: الحاقة، القارعة، ثم يترك ليجد أثره في النفس، وفي كل صوت أثقال وأوزان، الصوت الأول ثقل يرتفع عالياً مع الحاء والألف ثم يحط بجمعه مع القاف المشدد والتاء الساكنة، والثاني ضخم رهيب يقرع قرعاً مجلجلاً ومدوياً، وبكلا الثقلين أو الصوتين يتنبه حس الإنسان، يستيقظ ويترقب وينتظر، تتوجه أذناه نحو مصدر الصوت، ويتلفت قلبه يريد أن يعرف ما الخبر؟ فيلقى إليه باللفظ ثانية بما أضيف إليه فتزداد قوته ويزداد أثره ويزداد غموضه، وبالقوة والأثر والغموض يستوفز الإحساس، عندها تأتي الضربة أو القرعة الثالثة يترجع اللفظ أقوى وأعنف وأغمض.. وما أدراك ما الحاقة، وما أدراك ما القارعة؟!، فيها يحبس النفس، وتضطرب المشاعر، وترتعد الفصائل، ويقف الشعر فيأتي الخبر، ويكون الجواب.‏

ومن عجائب القرآن هنا أن الجواب لم يأت في الحالين إلا صوتاً، و بكلمة أدق صدى لقوة الصوتين أو الثقلين، لم يأت إلا آثاراً وأطلالاً ورسوماً دارسة خلفها الصوتان باندفاعهما وقوتهما مرة في الماضي وأخرى في المستقبل، في الحاقة برزت الآثار في مشاهد الماضي حيث مصارع المكذبين بالدين وبالعقيدة والآخرة والتنكيل بهم وتعذيبهم قوماً بعد قوم وجماعة بعد جماعة، مصارعهم القاصمة الحاسمة الجازمة.. (كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية(.‏

وفي القارعة برزت الآثار في مشاهد القيامة، في مشهد الزلزلة الذي تطير له القلوب، وترجف لهوله الأوصاف، ويحس السمع كأن كل شيء يتشبث في الأرض أصبح هباء منثوراً: الناس على كثرتهم أضحوا صغاراً ضئالاً كالجراد المنتشر، والجبال على ضخامتها ورسوها أصبحت حجوماً بلا وزن، كتلاً بغير ثقل، كالعهن المنفوش: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش(.‏

وفي الحالين على السواء حالة الآخرة وحالة الماضي كانت آثار الزلزال رهيبة في النفس وفي الكون، آثار الحاقة وآثار القارعة، كانت مشاهد الواقع أجوبة للتساؤلات المرجعة، ثم أضحت بعد المشاهد أجوبة بغير تساؤلات.‏

نأتي الآن إلى ترجيع العبارة وله صور عدة تعنينا تلك التي ترددت في سور:‏

*الشعراء: (إن في ذلك لآية( ثماني مرات (وإن ربك لهو العزيز الرحيم( تسع.‏

*القمر: (فكيف كان عذابي ونذر( ثلاث.‏

*الرحمن: (فبأي آلاء ربكما تكذبان( إحدى وثلاثون.‏

*المرسلات: (ويل يومئذ للمكذبين( عشر.‏

هذه الجمل المرجعة سواء تلك التي وردت عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد، أو تلك التي وردت عقب كل حلقة من حلقات العذاب لها دورها النغمي الهام في نسق السورة، إنها أشبه ما تكون باللازمة الإيقاعية المترددة التي تؤدى بين كل فقرتين من فقرات الأغنية أو الأنشودة، هي ليست مجرد تكرار للتذكير بنعمة أو نقمة فحسب إنما هي جملة تكتب وتكسب النص كلما رجعت نغمة جديدة، وعمقاً جديداً، وعندما تنتهي السورة تكون اللازمة قد أدت دورها كاملاً، ووقعت على أوتار النفس توقيعات شتى، عمقت لدى المتلقي الإحساس النهائي الذي خلفه في روعه النص، وتلك طريقة القرآن.‏

طريقة القرآن في التعبير لا سيما في السور المكية إنه يتوجه إلى جماع نفس الإنسان، ينيرها، يلامس قلبها، يهز مشاعرها، يحرك وجدانها، يأخذ بها ويحوطها من كل جانب، يناديها ويهتف بها ولكنه لا يخاطب فيها عقلها المجرد، ولا يحاوره ويناقشه، من هنا هذه اللوازم الإيقاعية، دقات الطبول وسط اللحن المنساب، إنها تقرع وتوقظ، تنبه وتحفز، تلفت وتذكر، تثير وتحرك، تهتف وتدعو، وحين تتساوق الدقات مع اللمسات الوجدانية والمشاعر والأحاسيس التي طرقها التعبير، ولامسها وتتناسق في وحدة تتجه جميعاً إلى نفس الإنسان.. يكون التعبير القرآني قد أتى أكله.‏

بهذا الترجيع على اختلاف صوره وأساليبه كوّن القرآن بعضاً من إيقاعه الفريد، وشكل نغمات جديدة، أو لنقل أوجد أساليب وأوتاراً إيقاعية في قيثارة اللغة لا عهد للعرب بها لا في القديم ولا في الحديث.‏

*التوقع:‏

التوقع أو الترقب مصطلح شعري كما هو مصطلح موسيقي لأن الأداء هنا وهناك يقوم على افتراض أن السامع يتوقع بعد وقت معين إشارة إيقاعية في الوزن أو النقرة، ولذلك يقال أن الزمن في الموسيقى وفي الشعر زمن توقع.‏

ويذهب بعض الدارسين إلى أن تحديد التوقع يزداد كلما اتجه الكلام نحو الوزن أو الشعر بحيث يكاد يصبح التحديد في بعض الحالات التي تستعمل فيها القافية كاملاً، بل أكثر من ذلك أن وجود فترات زمنية منتظمة في الوزن أو في الإيقاع يمكننا من تحديد الوقت الذي سيحدث فيه ما نتوقع، والوزن شأنه شأن الإيقاع ينبغي ألا نتصوره على أنه في الكلمات ذاتها أو في دقات الطبول، إنه ليس في المنبه وإنما في الاستجابة التي تقوم بها، وهكذا حين نستمع إلى لحن ما يبدأ بنغمة من النغمات نحاول أن نتوقع ورود النغمة التالية، وتستريح أنفسنا إلى ذلك، وهو أمر طبيعي، إلا أننا لا نكاد نسمع النغمة الثانية حتى نشعر بما يشبه الشوق أو الحنين إلى عودة النغمة الأولى، وقد لا يشبع اللحن هذا الحنين مباشرة فيأتينا بنغمة متوسطة تثير في أنفسنا مرة ثانية أو ثالثة إحساساً جديداً بالترقب، وعلى طريق هذا الجذب، الشوق أو التوتر تثار في أنفسنا ألوان شتى من الانفعالات.‏

وتتبدى هذه الظاهرة الموسيقية في القرآن بشكليها شكل القافية وشكل النغمة فالأولى يترقبها القارئ لا سيما في الآيات الطوال ويفتش عنها ويحن إليها لأنها تلبي لديه إحساساً دفيناً بالراحة، أو تحدث تأثيراً نفسياً بتحقق النشوة، وهذا ما سنعرض له حين نتحدث عن الفاصلة.‏

والثانية-النغمة يمكن تبينها في غير سورة كالمدثر والنازعات والانشقاق والبروج والفجر وسواها.‏

في سورة المدثر يبدأ اللحن بإيقاع سريع حاسم وقصير: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر..( ثم تتغير نغمة الإيقاع: (ذرني ومن خلقت وحيداً..( ثم يمتد أكثر ويطول طولاً لافتاً للسمع في نيف وخمسين كلمة: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا..(، ثم يعود الإيقاع كما بدأ: (كلا والقمر، والليل إذا أدبر، والصبح إذا أسفر(.‏

في البروج يبدأ اللحن أقل سرعة: (والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود..(، في سبع آيات متجانسة النغمات، ثم يسترخي الإيقاع في أربع آيات طويلة: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السموات والأرض، والله على كل شيء شهيد(، تحس النفس بعدها بالحنين إلى النغمة الأولى الراكضة فسرعان ما تعود.. (إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبدئ ويعيد(، في إحدى عشرة آية متعانقة تحمل شدة الإيقاع الأول ودرجته وارتفاعه.‏

في الفجر يبدو الإيقاع أسرع في خمس آيات: (والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر..(، تتلوها تسع آخر تتغير فيها النغمة وتنساب للحديث عن عاد وثمود وسرد الماضي: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد..( ثم تتغير النغمة ثالثة وتمتد وتنبسط في آيتين طويلتين: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن(، بعدها تعود نغمة البداية رويداً رويداً سريعة زاجرة: (.. كلاً بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث أكلاً لمَّاً..(.‏

وهذا كله معنى ما نقوله من أن القرآن يلجأ إلى أسلوب التوقع والترقب بأن يلقي في النفس أولاً نغمة ما، ثم يوقع على أحاسيسها ومشاعرها وتوقيعات شتى يعود بعدها إلى نغمة البداية حيث تنتظرها النفس في شوق ولهفة وحنين.‏

*الإضافة:‏

تستعمل الإضافة في وزن الشعر وفي لحن الموسيقى، في الأول حين يريد الشاعر أن يزيد حرفاً أو حرفين على بعض التفعيلات ويسمى ذلك بعلل الزيادة، وفي الثانية حين يريد الفنان أن يدون موضع العلامات التي تنخفض أو ترتفع عن خطوط المدرج وفراغاته، ويسمى ذلك بالخطوط الإضافية، وتعد الإضافة في الحالتين جزءاً من الوزن أو من اللحن.‏

القرآن الكريم يلجأ إلى الإضافة كأسلوب في التعبير والتأثير، وقد وقف عند هذا الأسلوب النحاة فلاحظوه في زيادات الأحرف، وحصروه في خمسة عشر لفظاً زعموا أنها زائدة إذ لم يجدوا لها توجيهاً إعرابياً، ولنا أن هذه الزيادات أو الإضافات تلعب دوراً في الأداء معنى ومبنى لا يقل عن دور الكلمات أو الحروف الأصلية، ولنضرب مثالين على ذلك:‏

يقول تعالى واصفاً خلق نبيه: (فبما رحمة من الله لنت لهم( فلو حذفنا ما أو اعتبرناها زائدة في النظم كما هي في الإعراب لاختلَّ هذا النظم، واضطرب الإيقاع وذهب قسط كبير من لطافة المعنى الذي يريد الله أن يبينه، لقد جاء المد في "ما" إضافة نغمية ولفظية تشعر باللين وتؤكده إلى جانب لين المعنى المقرر في الآية.‏

ويقول في سورة يوسف: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا( يقول النحاة إن "أن" زائدة، ونقول إنها ضرورية لأنها جزء من العبارة، وأداة في التصوير ونغمة لو أهملناها لذهب حسن الكلام، وبانت منه روعته، ولقلق المعنى إلى جانب الإيقاع، إن وجودها يمنح العبارة امتداداً في الزمان والمكان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه إلى أبيه، كما يصوّر نوعاً من القلق كان يعيشه هذا الأب قبل أن يرتد إليه بصره.‏

هذا من حيث المعنى أما من حيث الأداء الموسيقي فإن الإيقاع المتوازن بين المدات الثلاث المتعاقبة: لما، جاء، ألقاه، سيتلاشى لو حذفت، ولو قرأنا الآية بدونها لأحسسنا نوعاً من الكسر في الوزن، أو اضطراباً في النغم.‏

إن مثل هذه الإضافات تأتي مقصودة لأنها ذات قيمة تعبيرية وتصويرية في آن، وللنحاة أن يعربوها كما يشاؤون، وعلينا ألا نظن أنها كذلك في النظم لأنها جزء لا ينفصل عن اللحن ولا عن طريقة أدائه.‏

*الترنم:‏

يستعمل القرآن حرفين في فواصل الآيات للمناسبة وتناسق العبارة وأحكام النغم وزيادة التأثير الإيقاعي هما حرفا الألف وهاء السكت.‏

ومن المعروف أن الشعر العربي – وهو شعر غنائي في الدرجة الأولى – يستعمل ثلاثة حروف للترنم به وإنشاده وزيادة تأثيره هي ألف الإطلاق ونون الترنم وهاء السكت، وقد اعتمد القرآن الألف والهاء ونون الترنم وربما وجد أن هاء السكت أصلح للإيقاع النثري الذي ينتهي بطبيعته في رؤوس الآي إلى السكون، حرف الرنين النغمي كما يحلو لبعضهم أن يسميها.‏

يقول تعالى: (يقوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً(، كلمتا الرسولا والسبيلا علاوة على كلمة الظنونا في آية مجاورة من السورة ذاتها أضيفت إليها جميعاً ألف الإطلاق الممتدة فتحول الحرف الذي يخفي وراءه ساكناً إلى مقطع طويل وموضع ارتكاز لإحداث النغم المقصود، وهذه الألف لا تكمن فائدتها في مجرد الوقوف والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستأنف فحسب بل تكمن في الجمال الصوتي والتناسق الذي تحدثه في الآية إلى جانب المدات الطويلة المتتابعة المنطلقة صاعدة في السماء وتسهم إسهاماً كبيراً في الدلالة المعنوية أيضاً، وقد رأينا كيف أنها تصور نوعاً من الآهات أو الغصات المتحشرجة في حناجر الكافرين وهم ينادون رب العزة، ويعضون أصابع الندامة على ما فرطوا في جانب الله، وإذا كان النَفَسُ مع هذه المدات يتعالى ويتسق فإنه مع ألف الإطلاق الأخيرة في الفاصلة يجعل الفم مفتوحاً فلا يحبس الصوت وإنما يتركه ينساب من المجرى رخياً متصلاً دون انقطاع.‏

ولعل هاء السكت هي الأخرى لا تقصر عن ألف الإطلاق في تناسق النغم وجمال الأداء، ولنقرأ قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه، فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه، إنني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية.. وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتِ كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه(، أظن أن أية محاولة لحذف هذه الهاء الملحقة بياء الكلمة أو بياء المتكلم في كلمات: كتابيه، حسابيه، ماليه، سلطانية، ستقضي لا محالة على توازن الفواصل والآيات ونهاياتها، وعلى اتساق الإيقاع، وطلاوة الصوت وسلاسته، وروعة التعبير الذي ينسكب في الأذن من الهاءات الحانية، وكأنها موجات رخية متعانقة زاخرة بالحركة والحياة، تحمل إلى النفس البشرى والفرحة مرة، والحسرة والندامة والحزن أخرى.‏

وسواء استعمل التنزيل الكريم هذا الحرف أو ذاك فإنه يكسب الإيقاع بعداً وعمقاً وجمالاً ما كان له أن يتصف بها لولاهما.‏

*الصمت:‏

للصمت في الموسيقى علامات تسمى بعلامات الصمت، تحسب أزمانها تبعاً للعلامات الموسيقية الأصلية من المستديرة حتى ذات الأسنان، ويعد زمن الصمت جزءاً من صوت اللحن وزمنه لأنه لا يقل عنه أهمية ولا تعبيراً أو تأثيراً.‏

ويذكر علم التجويد أربع حالات للصمت أو السكت يوجب على القارئ أو يحبس عندها صوته ولا يتنفس لمدة تصل إلى حركتين أو ثلاث حسب المصطلح المستعمل في هذا العلم:‏

1-في سورة الكهف:‏

(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له (عوجاً، قيماً)(.‏

2-في سورة يس:‏

(قالوا يا ويلنا من بعثنا من (مرقدنا، هذا) ما وعد الرحمن وصدق المرسلون(.‏

3-في سورة القيامة:‏

(كلا إذا بلغت التراقي وقيل (من. راق)(.‏

4-في سورة المطففين:‏

(كلا (بل. ران) على قلوبهم ما كانوا يكسبون(.‏

وهذه الحالات ليست على درجة واحدة في بيان الدلالة الإيقاعية للصمت فالحالتان الأولى والرابعة تتجلى فيهما صعوبة النطق في الاتصال، وسهولته في الانفصال، والثانية يتغير فيها المعنى والإعراب معاً إذا قرئت الآية دون سكت أو صمت، والحالة الثالثة هي قصدنا، فالقرآن في الآية يريد أن يصور مشهد الاحتضار وكأنه ماثل حاضر فيجعله يخرج من ثنايا الألفاظ، ويتلامح من خلال الصورة، ويبرز شاخصاً بصمت النغمة، وحين تبلغ الروح التراقي يكون النزع الأخير، والسكرة المذهلة.. عندها يشعر الإنسان بالغصة بل يجدها في حلقه، والغصة عقبة أمام الصوت أو حائل أمام الروح، وقفة أو سكتة، ولكي يتحرك المشهد وينطق بأبعاده كلها كان لا بد من لحظة صمت، واللحن يعزف والنغمة تنساب، لحظة صمت لحاجة معنوية وحاجة إيقاعية يرسم فيها القرآن تلكؤ الروح قبل النزع، حيرة صاحبها ولهفتها وجزعه، وربما تعلقه بالحياة من يدري؟ المهم أنها سكتة في المشهد وفي اللحن، تعبر عن الحقيقة والواقع، وترسم اللوحة والظل، وتوحي بما يهدف إليه القرآن أن يخلفه في روع المتلقي من شعور يكاد ينتابه، شعور يجده هو ذاته عند قراءة الآية، ويحسه في حلقه.‏

القفلة:‏

القفلة (ونقصد بها هنا الكودا Coda وليس النغمة الختامية الكادانس Cadence) هي آخر جزء في اللحن تُشعِر المستمع باكتمال المعنى وتمنحه إحساساً بالراحة ونشوة النهاية المناسبة، وتنقسم في الموسيقى إلى أقسام منها القفلة التامة والنصفية والمفاجئة والمتداخلة.‏

يستعمل القرآن أربعة أنواع من القفلات المناسبة أقلها عدداً المفتوحة تليها المغايرة فالمزودوجة وأخيراً المماثلة.‏

من القفلات المفتوحة: ما جاء في سورتي القيامة والتين حيث ينتهي الإيقاع القرآني بصيغة التساؤل التقريري: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى(، (أليس الله بأحكم الحاكمين(، ويحس القارئ في مثل هذا النوع أنه في حاجة إلى الإجابة حتى تكمل النغمة، وينتهي الإيقاع، إن السؤال هو المبتدأ، وهو ناقص في ذاته والجواب هو الخبر وبه يكمل المعنى، ويتسق اللحن، ولذلك سُنَّ في الإسلام أن يُجري القارئ على لسانه الجواب: "بلى، بلى" وبالجواب يشعر بالراحة وبالاطمئنان وبالنشوة الروحانية الغامرة.‏

في القفلات المماثلة: التي تسير على روي متشابه من أول السورة إلى ختامها كما في سورة الشمس والقدر والقارعة والعصر والكوثر.. نحس أننا إزاء مشوار واحد من البداية حتى النهاية، مشوار لاهث صاخب، أو هادئ رخي، يمشي الهوينا وينساب، أو يعنف بالحركة، ويركض معنى ولفظاً وإيقاعاً، ويخلق هذا النوع من القفلات في النفس جواً من التناغم والانسجام، أو نقول يخلق دائرة واحدة مكتملة من النغم تقوم على الإحساس بالتماثل، والإنسان يرتاح للتماثل كما يرتاح للتغاير.‏

مع القفلات المزدوجة: كما في التكوير والبروج والطارق والغاشية والفجر.. نحس الإحساس السابق بالمتعة وزيادة حيث يجمع النغم بين التماثل والتغاير في آن، بين صفة المؤالفة وصفة المخالفة، وكأنه يحقق لنا نشوتين خالدتين نشوة الوحدة ونشوة التنوع، وفي الجمع بين النشوتين أو الصفتين نجد في الإيقاع الطبيعة والحياة، نجد الواقع الشعوري للنفس الإنسانية في توافقها وتباينها، تحس ذواتنا واللحن يوقع على أوتار أنفسنا المختلفة فتبدو أوفر إحساساً، وأشد نشاطاً وأكثر راحة.‏

ويظهر أن القفلات المغايرة كما جاءت في سورة النجم والرحمن والحاقة والواقعة والانفطار والضحى والعلق والمسد.. هي اللافتة للنظر وللأذن، ويسأل المرء عن سبب المغايرة؟ قد نقول أن المفاجأة ذاتها في النغمة الأخيرة للحن تتضمن في حد ذاتها عنصر التشويق فيكون ما لم نتوقعه هو الذي يشعرنا بالراحة لا ما نتوقعه، ولكن هذا وحده على صحته لا يكفي، ولنا أن تعليل هذه القفلات المغايرة يرجع إلى أمرين أحدهما معنوي وثانيهما نغمي، ولنأخذ مثالين لإيضاح ما نقصده، الأول قفلة سورة الضحى (وأما بنعمة ربك فحدث( والثاني قفلة سورة المسد (في جيدها حبل من مسد( فلو غيرنا هاتين القفلتين بأن جعلنا الأولى فأجهر مثلاً والثانية من قنب حتى تماثلا حروف الفواصل في الآيات لتغير المعنى والإيقاع والتناسق الذي يجري عليه القرآن في سوره، ذلك أن الجهر بالدعوة الإسلامية غير التحدث بها، اللفظ الأول لا يتناسق مع إطار السورة الرائق الشفيف الواني، واللمسات الحانية الوديعة التي يطلقها النسق ويصورها النظم الجميل بألطف عبارة، وأشجى نغمة.‏

أما اللفظ الثاني فإنه بنعومته ودلالته على الانتشار يتسق مع هذا الجو جو الرضا الشامل، والإطار إطار الرحمة والأنس والحنان، ويؤكد ذلك الفرق بين صوت اللفظين وما يحدث أحدهما في النفس من نبر قوي وشدة ظاهرة لا يناسبان السياق، وما يحدثه الآخر من نعومة واضحة ورقة بالغة أقرب ما تكونان إلى هذا السياق.‏

وما قلناه عن "أجهر" نقوله عن "قنب" ففضلاً عن أن هذا اللفظ لا يشير إلى قوة الحبل بل إلى نوعه فإنه يترك في الروع ظلاً مغايراً لما يتركه الثاني، يترك ظل العادية النثرية والسوقية، في حين يترك الثاني بجرسه أناقة ما بعدها أناقة، وإذا كان حبل القنب يحقق إلى حد ما انسجام النغمة في الفاصلة فإنه لا يحقق صوت الإيقاع الذي نحسه من خلال قفلة المسد، صوت القوة والمتانة واللف والإحكام.. وكلها أمور متوخاة في النظم يراعيها التعبير الأنيق في القرآن.‏

ألنا أن نقول أنَّ قفلات القرآن هي أنسب ما تكون إلى إيقاعه؟ حقَّاً لقد حقق النظم الكريم باستعمالها وتناسبها وتنوعها أفضل ما يحقق تعبير يتوسل بالكلمة.‏

الفاصلة:‏

للفاصلة في القرآن دور هام يفوق دور القافية في الشعر – خلافاً للباقلاني -، بل لعله أهم دور في قواعد التشكل الإيقاعي لهذا الكتاب المعجز، وقد وقف عندها دارسو الإعجاز، وأطالوا وقفتهم، فتحدثوا مرة عن مدى اختلافها عن سجع الكهان حتى لا ينسبوها إليه، كما تحدثوا أخرى عن مدى تباينها عن قافية الشعر حتى لا يلحقوها بها، وانتهوا في المرتين إلى أن جعلوا لها الأنواع والأصناف كالمتماثلة والمتوازنة والمرصعة والمتوازية والمطرفة.. وأقاموا معاييرها، ووصفوها بالأوصاف كالتنوع والتمكن والتطريب، ولكنهم في كل ما فعلوه لم يدرسوها قط في ضوء علاقتها بالنغم أو الإيقاع.‏

وليس معنى ذلك أن دراستهم لم تكن جادة ولا ذات فائدة وإنما معناه أنه بحاجة إلى دراسة من نوع جديد، دراسة تؤكد علاقتها بالإيقاع وبالموسيقى أكثر مما تؤكد أوجه التشابه أو الاختلاف بينها وبين قافية الشعراء أو سجع الكهان.‏

تطلق الفاصلة ويراد بها أحد المعاني الثلاثة:‏

1-حرف الروي الذي تنتهي به الآية ويشبه أو لا يشبه قرينة سجع الكهان وروي قافية الشعراء.‏

2-المقطع الذي تنتهي إليه الآية، وتقترب بهذه الدلالة من القافية بالتحديد الذي وضعه الخليل واقترحه للمصطلح.‏

3-الجزء الأخير الذي تذيل به الآية، ويكون أفضل نهاية مناسبة متمكنة لها.‏

وسنلحظ في دراستنا هذه المعاني الثلاثة وإن اتكأنا على الأول منها.‏

للفاصلة ثلاثة جوانب موسيقية. الأول إيقاعي والثاني تناغمي والثالث تآلفي، فلها جانبها الإيقاعي باعتبار أن الإيقاع ليس مجرد ظاهرة تقوم على التكرار المنتظم ويلعب فيه الزمن المتساوي دوراً هاماً (وهو معنى آثرناه للوزن) بل هو أقرب إلى عدم الانتظام، أو أقرب إلى التنوع في انتظام الحركة بشكليها التماثلي والتجاوبي، ومن شأن الفاصلة أن تضبط هذه الحركة، أو تجعل لها قفلة أو نهاية من نوع ما.‏

وللفاصلة جانبها التناغمي لأن لكل سورة لحناً هو عبارة عن تتابع أنغام مختلفة الدرجة ومتناسقتها في الوقت ذاته شريطة ألا نفهم من التناغم هنا التنغيم، فهذا التنغيم في الأصوات البشرية هو حالات صعود الصوت وهبوطه في القراءة، ولا علاقة له بتناغم اللحن.‏

والجانب الثالث التآلفي للفاصلة يقترب من الجانب الثاني ويتداخل، ذلك أن في كل سورة نغمة أساسية ونغمات ثانوية، والعلاقة بينهما هي ما نطلق عليه اسم التآلف، وهي العلاقة نفسها بين النغمة الواحدة والنغمات التي تليها في اللحن، فكأن التآلف والتناغم مصطلحان متداخلان أو مظهران لأمر واحد إذا وجد متزامناً سمي تآلفاً وإذا وجد متتابعاً سمي تناغماً.‏

والفاصلة في هذين الجانبين الموسيقيين تقوم بوظيفة بنائية إن لم تفق دورها السابق الإيقاعي فهي لا تقل عنه، إنها في شتى ضروبها مفردة أو متغيرة، موحدة أو مزدوجة تندمج في نسج السورة المتشابك، وتتمايز منه، وتعمل على أن تكون ناظماً يمسك حدود الآية، نقول يمسكها ولا يضبط نهايتها، لأنه يوقف ويلون في أن سيل المشاعر والأحاسيس واللمسات المتغيرة المستمرة التي تضرب ضرب الريشة في التصوير، وتدق النفس في أوتارها وأعصابها، ولا بد لسيل المشاعر، اللحن السماوي من مفتاح، وليس هذا المفتاح بأكثر من الفاصلة.‏

في محاولتنا تبيُّن هذه الجوانب الثلاثة في فاصلة القرآن لا بد أن تقرر منذ البدء أموراً عدة:‏

1-إن ما سنقوله اعتمد أول ما اعتمد على استقراء الفاصلة القرآنية قراءة وسماعاً.‏

2-وهو رغم ذلك لا يمت إلى التقعيد بصلة فليس ثمة من قانون عام لفاصلة القرآن، إنما هو في الأغلب مجرد ملاحظات.‏

3-هذه الملاحظات نجازف في وضعها مرتين مرة لأنها شأن الإيقاع إحساس وعلم، ومرة لأنها مغامرة نرتادها في مجال القرآن شأنها شأن الدراسة ذاتها إلا أنها هنا أبين وأظهر، وما قد يتراءى من تشابه بين دراسة الفاصلة ودراسة القافية، أو ما قد يتبدى من استعمال للمصطلحين الموسيقيين الجديدين التآلف (الهارموني) والتناغم (الميلودي) ليس هذا أو ذاك بأكثر من محاولة للتقريب مع التباين، إنه المدى الذي سنقيمه بعد ذلك بين أداء الفن وأداء الإنجاز.‏

إذا كان لنا أن نفرّق بين السور المدنية والسور المكية، بين النمط الفكري أو (النثري) للتعبير، والنمط الوجداني أو (الشعري) له، وإذا كان لنا أن نزعم أن الموسيقى تظهر في النمطين إلا أنها في الثاني أوضح وأبرز، وأن للفاصلة –كما بينا منذ قليل – جانبيها الإيقاعي والموسيقي بملمحيه التآلف والتناغم – فإن ما نود أن نقرره هنا هو أن فاصلة الآيات المدنية ترتبط بالإيقاع، ويقتصر دورها عليه في حين أن فاصلة الآيات المكية ترتبط بالإيقاع وبالموسيقى معاً، ودون ذلك تفصيل.‏

ما وظيفة القافية في السور المدنية؟ لكي نجيب على هذا التساؤل علينا أن نتذكر أن حرف الروي في هذه السور قليل التنوع وهو على العموم ميم أو نون (يستقل حرف النون مثلاً بـ 66% من فواصل البقرة والميم بـ 22% وما تبقى 12% للراء والدال واللام والقاف)، وأن الآيات فيها طويلة يصل بعضها إلى نيف وأربعين كلمة، ودرجة الأصوات أو شدتها قليلة التفاوت.. في مثل هذه الصورة أو الحالة حيث يجتمع الطول مع ندرة التنوع في الروي وضآلته في الصوت تحتاج الآيات إلى أداة تضبطها، تضبط فيها نهاياتها، وتعمل على تماسكها، وهذه الأداة هي الفاصلة، وظيفة الفاصلة إذن في الآيات المدنية إنها تضبط الآيات، تحدد رؤوسها، تسنح بالوقفات والاسترواح عندها، وهذه الوظيفة إيقاعية وليست موسيقية.‏

أمر آخر أريد أن أجازف به هو أن حرف الروي أو الحرف الذي علينا أن نتبين فيه لون الإيقاع بكلمة أدق ليس هو النون أو الميم وهما حرفان سهلا المخرج قريباه فيهما غنة محببة، بل الياء والواو اللذان أتيا قبل الروي، فدور هذين الحرفين لا يقتصر على أن يكون مجرد ردف للنون والميم وبقية حروف فواصل السورة، ردف يجب الالتزام به والتقيد كما هو الحال في الشعر لم لا يكونان هما الحرفين اللذين بني عليهما إيقاع الفاصلة؟ ولم لا يكون ما بعدهما إنما جاء لتلوينهما؟ ونحن نرى ذلك وهو أقرب إلى القيمة الموسيقية لا سيما إذا عرفنا أن لا علاقة بين الميم والراء واللام والنون في حين أن خصائص حرفي الواو والياء متشابهة أو متقاربة، فكلاهما حرف ضيق، وكلاهما له ذبذبات واحدة (بين 310-320ذ/ثا لكل منهما) وهو ما يعنينا في دراسة الأصوات.‏

لنقرأ الآيات المتتالية الآتية من سورة البقرة:‏

*(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهنّ، قال إني جاعلك للناس إماماً، قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين(.‏

*(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود(.‏

*(وإذ قال إ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
السوفية
Admin
Admin


الجنس: انثى
عدد الرسائل: 6814
المزاج: الحمد لله
تاريخ التسجيل: 19/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن   2010-06-08, 08:59

بارك الله فيك




نحن نتمنى الخير للجميع دائما




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-souwafa.ahlamontada.com
وردة
سوفي فضي


الجنس: انثى
عدد الرسائل: 1215
المزاج: ممتاز
تاريخ التسجيل: 08/04/2009

مُساهمةموضوع: رد: قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن   2010-06-08, 09:15



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
hadil020
سوفي نشيط


الجنس: انثى
عدد الرسائل: 337
المزاج: جيد جدا
تاريخ التسجيل: 06/02/2009

مُساهمةموضوع: رد: قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن   2010-06-08, 10:06

مشكوووووووووووووووووووووووووووووووووه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وردة
سوفي فضي


الجنس: انثى
عدد الرسائل: 1215
المزاج: ممتاز
تاريخ التسجيل: 08/04/2009

مُساهمةموضوع: رد: قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن   2010-06-08, 10:46



شكرا حبيبتي هديل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
صهيب حساني
مراقب عام
مراقب عام


الجنس: ذكر
عدد الرسائل: 7408
الموقع: سأكتبها على تاريخ المجد عنوانا *** من لا يعشق الجزائـــــــــــــــــــــــر ليس إنسانا
المزاج: فكاهي
تاريخ التسجيل: 29/04/2010

مُساهمةموضوع: رد: قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن   2010-06-09, 20:54



أختي الكريمة وردة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساندي
مشرف عام
مشرف عام


الجنس: انثى
عدد الرسائل: 1861
المزاج: **********
تاريخ التسجيل: 14/02/2009

مُساهمةموضوع: رد: قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن   2010-06-14, 14:05

بارك الله فيك اختي عاشقة وردة





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

قواعد تشكل النغَم في مُوسيقى القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى السوافة :: المنتدى الديني :: قسم القرآن الكريم-